هناك لحظةٌ عالقةٌ في ذهن آدم بكري؛ يعود إليها مرارًا في ذاكرته. كان والده محمد بكري جالسًا إلى جانبه في قاعةٍ مُعتمة، يشاهدان معًا العرض الأول لفيلم “اللي باقي منك” (2025) الذي يجسّد فيه آدم نسخةً شابةً من شخصية أبيه. خلال أحد المشاهد، مدّ محمد يده وضغط على يد ابنه بصمت، وهمس: “بس عشان تكون عارف، إنت بيرفيكت.”

رحل محمد بكري بعدها بأشهر. كان واحدًا من أهم الشخصيات الفنية التي شهدها العالم العربي في النصف الأخير من القرن الماضي. أخرج الفيلم الوثائقي “جنين، جنين” الذي أغضب دولة الاحتلال فمنعت عرضه مرارًا وتكرارًا، وأغاظ المستوطنين حتى طالته وعائلته تهديدات بالقتل. قدّم عرضه المسرحي المنفرد “المتشائل” المقتبس من رواية لإميل حبيبي على مدار عقود، منذ عرضه للمرة الأولى عام 1985 على خشبة مسرح الحكواتي في القدس بعد عام واحد من افتتاحه. ومنذ تلك الليلة، قدّم محمد هذه المسرحية قرابة ألف وخمسمئة مرة، وطاف بها العالم من لندن إلى طوكيو، لتتربّع على عرش أهم المسرحيات في المشهد العربي والفلسطيني. بل أنه سمّى ابنه آدم “ولاء” تيمّنًا بابن سعيد في الرواية؛ ولاء، المقاتل الفدائي، البطل الذي يُجسّد جيلًا فلسطينيًا جديدًا مندفعًا نحو المقاومة. “بطلٌ فدائي، مش حيالله بطل!” بحسب تعبير آدم.

برحيل محمد بكري، خسر العالم قامة فنية كبيرة. أما آدمُ فخسر أبًا. ورغم انشغال محمد بالمسرح والقضية، كان حاضرًا في طفولة آدم بكل جوارحه. كان حضوره يطغى على أي غرفة يدخلها، وله شخصية “أكبر من الحياة”؛ وهو تعبير يستخدمه آدم بكثرة ليصف والده.

وُلد آدم بكري في يافا وترعرع في قرية البعنة بالجليل، في بيتٍ دافئ محصّن بالحب. رحل في عشرينياته إلى نيويورك ليبني استقلالية فنية وشخصية بعيدًا عن عائلته؛ ليخطو خارج ظلٍّ كان، بكل المقاييس، ظلًّا طويلًا. درس الأدب الإنجليزي والمسرح، وشرع في العمل الصبور المتأنّي على تشكيل حضوره الخاص كممثل.

خلال تلك السنوات، أبدع آدم في شخصيات عدة؛ أولاها قادَتْه مباشرةً إلى الأوسكار في الفيلم المرشّح “عمر” من إخراج هاني أبو أسعد. وآخرها في عملين محمّلين بالألم ومثقلين بواقعنا: مسلسل “صحاب الأرض” الذي يروي قصة أهل غزة، حيث جسّد آدم شخصية مجد الصحفي، وحمل مسؤولية تمثيل هذه الفئة التي استهدفها الاحتلال الإسرائيلي باستمرار ووحشية، في ظل ما يُعدّ الاعتداء الأكثر دموية على الصحفيين في التاريخ، بما يتخطى 274 صحفيًا وصحفية استشهدوا منذ بداية الإبادة. والثاني فيلم “اللي باقي منك” من إخراج شيرين دعيبس، حيث يجسّد آدم النسخة الشابة من شخصية والده في أول عمل جمعهما على الشاشة، إلى جانب أخيه الممثل صالح بكري.

من المفارقة أن يصدر عددنا بعنوان البهجة والعالم من حولنا مثقلٌ بالسواد، مشبعٌ بالموت والدمار والنزوح. غير أن العيش لا يكون إلا بوجود الاثنين معًا. آدم خيرُ مثالٍ على ذلك التوازن. ذاك الرجل الذي لا يزال يشاهد أفلام الرسوم المتحركة ليستعيد طفولته، ويحمل في الوقت ذاته من الحزن والفقد ما يعجز الكلام عن بلوغه. رسّامٌ وقارئٌ نهم وكاتب، حتى أن حسابه على إنستغرام أشبه بمكتبة أو معرض أو منجم ثقافي: مقولةٌ من هنا، وأغنية من هناك. وهو في أعماق كل ذلك، إنسانٌ يسكنه إيمانٌ كبير، متشعّبٌ وراسخ: إيمانٌ بالفن، وإيمانٌ بالحب، وإيمانٌ بإلهٍ استنجد به في أحلك أوقاته، فلم يخذله.

وُلدت باسم ولاء. متى وُلد آدم؟

“ولاء” اسمٌ أنثوي عند العرب. أينما ذهبت في صغري، ظنّني الناس فتاةً، ولا سيما في أول يوم من كل عام دراسي، حين أعرّف عن نفسي أمام الفصل، فما أن أنطق باسمي حتى يُكمل المعلم حديثه وكأنني أنثى: “طيب يا حبيبتي”. كان ذلك يزعجني كثيرًا.

وبعد أن خطوتُ خارج البيت إلى المجتمع الأوسع، صار كل تعارف جديد مصدرًا للقلق، بسبب الاسم. ثم حين قررت أن أصير ممثلًا، وكان ذلك في الثالثة عشرة من عمري، بعد أول مسرحية قدّمتها مع والدي، بدأ التوتر يتصاعد من جديد: إن أردتُ أن أكون ممثلًا، فكيف يكون اسمي ولاء؟ وحين كبرتُ قليلًا وصار يزورنا في البيت ضيوفُ أبي من الأجانب، فيُعرّفني بأسمي، كانوا يلفظونه “فالا” أو “والا”، عاجزين عن نطق الهمزة في آخره. فازداد التوتر.

قررتُ قبيل دخولي الجامعة أن أغيّر اسمي، حتى يحمل كرت الطالب اسمًا آخر. لم يرحّب أهلي بالفكرة في البداية، إذ كان الاسم عزيزًا وذا معنى بالنسبة لهم، فهو اسم بطل رواية “المتشائل” التي مسرَحَها والدي، وليس بطلًا عاديًا، بل بطلٌ فدائي. بحسب القانون، لا يمكن تغيير اسم قاصرٍ إلا برفقة أهله، فانتظرتُ حتى بلغتُ الثامنة عشرة وذهبتُ وحدي لتغيير اسمي، ودخلتُ الجامعة في التاسعة عشرة.

مع الوقت، صرتُ أحبّ الاسم القديم، وبدأتُ أرى فيه ما رآه أبي. بالنسبة إليّ: أنا الاثنان، أنا ولاء، وأنا آدم.

لماذا اخترت اسم آدم؟

ابن خالي اسمه آدم، وكان الناس يقولون لنا منذ صغرنا أننا نُشبه بعضنا البعض. في السر، كنتُ أغار منه: لماذا يحمل اسمًا طبيعيًا وأنا لا؟ ربما كانت تلك الشرارة الأولى لرغبتي أن أكون آدم.

ذكرتَ أن تجربتك التمثيلية الأولى كانت في مسرحية مع والدك، هل جاء ذلك عن رغبة حقيقية أم كان فيه شيء من الضغط؟

كانت لديّ رغبةٌ جارفة أن أُمثّل إلى جانب أبي. كان هناك فيلمٌ أخرجه قبل أن يُعرض عليّ، طُرح اسمي وقتها للمشاركة، لكنه آل في النهاية إلى شخص آخر. كان فيلمًا قصيرًا اسمه “كعك على الرصيف”. لا يزال اسمه عالقًا في ذاكرتي. والحق يُقال، إن الممثل الذي أخذ الدور كان أنسب منّي له؛ حين أشاهد الفيلم اليوم، أرى ذلك بوضوح.

ومنذ تلك اللحظة، سكنت الرغبة في داخلي وتجذّرت. فحين اقترح عليّ أبي ذات يوم، في حديث عابر، أن أُجرّب التمثيل، قفزتُ من الفرح وأجبتُه على الفور: “أريد ذلك بالتأكيد.” فعملنا معًا على مسرحية “زغرودة الأرض”، وكدنا لا نفترق طوال تلك الفترة، حرفيًا، كنّا معًا في كل وقت على خشبة المسرح. ومن تلك التجربة وُلد الشغف، وترسّخ الحب للمهنة.

بدأ أخوك صالح، الابن البكر، مسيرته في التمثيل قبلك. هل كان لذلك دورٌ في قرارك أنت أيضًا؟

أنا مقتنعٌ بأن حبّي للتمثيل نبع أيضًا من أخي. كان يعود من مدرسة المسرح إلى البيت حاملًا تجاربه ويحكيها لنا، وقد كان رسّامًا وفنانًا. كانت حياته ومظهره مختلفَين عمّا اعتدتُ رؤيته في الضيعة، فأحببتُ الفكرة كلها كحزمةٍ واحدة قبل أن أفهم معنى التمثيل أصلًا. أغرتني فكرة أن تكون حياتي كحياة صالح: أسافر وأخرج، وشعري طويل، وأحمل غيتارًا، أسرتني الصورة كلها وأنا طفل.

وكنّا دومًا نذهب مع أبي إلى مواقع التصوير وإلى المسرح، نشاهد ونرى ونلجُ عالمًا آخر. حين كان يقف على خشبة المسرح، كنّا نُنقل إلى مكانٍ آخر، ساحر. أنا الذي ترعرعت في ضيعة البعنة الصغيرة في الجليل، فكان المسرح يعني لي انفتاحًا على العالم الأرحب، عالم الخيال والأحلام التي يسبح فيها الطفل بعيدًا.

أتخيل أنه كان من الصعب شق مسارك الفني لوحدك بعيدًا عن أثر والدك وأخيك.

صعبٌ جدًا، صعبٌ جدًا. لا يزال يساورني الشكّ في ذاتي وفي قدراتي. حين تنشأ في بيئة كهذه، ترى أباك كيانًا كبيرًا بلغ ما بلغ، فلا بدّ أن يراودك السؤال: كيف لي أن أبلغ ما بلغ؟

وزاد على ذلك أن أبي لم يشجّعني في البداية على التمثيل، بل رفض الفكرة، وكأن ذلك الرفض ضاعف شكّي في نفسي؛ أن يُحجم عن تشجيعي، حتى في المسرحية. ثم حين مثلت في “عمر”، أول فيلم لي، شعرتُ أن أبي بدأ يأخذني على محمل الجد؛ بدأ يشجّعني على التمثيل، وأحسستُ أنه صار يتعامل معي كصديق، كشريك في العمل. حين شاهد الفيلم، نشأت بيننا فجأة محادثة حقيقية. في صغري، حين ذهبتُ إلى الجامعة، لم تكن بيننا كلمة تقريبًا.

من أين نبع رفضه؟

لم تكن حياته سهلة في نهاية المطاف. في عالمنا العربي، ولا سيما في فلسطين والدول الصغيرة خارج مصر، فمصر حالةٌ مختلفة، لا توجد فكرة النجومية كما في أمريكا، تلك النجومية التي تمنح صاحبها استقرارًا يدوم واطمئنانًا ماديًا. لم تكن حياته يسيرة، وكان فلسطينيًا صاخبًا لا يُخفف من وطأة حضوره، ورأيتُ كم كان الأمر يُثقل عليه.

الصهيونية في دولة الاحتلال مؤسساتية راسخة، مُجهَّزة حتى قبل قيام هذا الكيان، من مؤسسات وهياكل لكل شيء، فإذا جاء معارضٌ وجدوا له دواءً جاهزًا، يعلمون مسبقًا ما سيفعلون به. وكان أبي يحارب من داخل فم الأسد، يقاوم من الداخل.

كان أكبر من الحياة، وفي وعيي الطفولي أدركتُ أن هذا الرجل كبيرٌ جدًا. لذلك ربما كان قراري بمغادرة البلاد والذهاب إلى أمريكا جزءًا من رغبتي في الهروب من ظله؛ في بناء نفسي بعيدًا عنه. فما إن أذكر كنيتي حتى يسألني الناس إن كنت قريبًا منه. لم أكن أُحبّ ذلك، أن يعرفوا فيقارنوني بأخي وبأبي.

كان يخشى علينا. وقد عارض أيضًا تمثيل أختي يافا، لكننا جميعنا لحقنا بأخي صالح، زياد ثم أنا ثم محمود ثم يافا (ترتيب انضمامنا لقافلة محمد بكري). كان أبي يريد لنا حياةً عادية، نُركّز فيها على الدراسة ونعيش كما يعيش الناس.

أتخيّل أن جوّ منزلكم كان مشبعًا بالدفء والفن والأدب، فمن الصعب أصلًا ألا يتأثر المرء في بيئة كتلك.

بالضبط! أنت تطلب منّي باستمرار ألا أكون في هذا المجال، لكنّك أنت خيرُ مثال عليه! أنت أحلى مثال، فكيف يمكنني ألا أتوق إلى أن أكون مثلك؟

وأمّي في الوقت ذاته كانت داعمةً له، وبشراسة. لدرجة أنها حين بدأت تصلنا التهديدات بالقتل بعد أن أخرج أبي فيلم “جنين، جنين”، أصابها هاجسٌ دائم لا يفارقها كلما خرجت معه. في مرة كانوا يعرضون فيلمًا لأبي، فلاحظت بعد العرض شخصًا يمدّ يده ببطء إلى جيبه وينظر من طرف خفيّ، فهلعت وقفزت أمام أبي رافعة يدها وهي تصرخ. وهكذا أحسسنا دومًا أن الفن عند أبي شيءٌ مقدّس، وأن دور الفنان مقدّس. فجلسة مشاهدة الفيلم كانت عنده طقسًا بامتياز: كان يرفع الصوت عاليًا كأنّنا في قاعة سينما، ويطفئ الأنوار، ولا يسمح لأحد بالكلام أثناء العرض، غير أن أمّي كانت لا تكفّ عن التعليق. أذكر ذلك جيدًا: “عيرينا من ملاحظتك، اسكتي.” 

أما أختي يافا فقد اكتشف موهبتها حين كانت في الخامسة من عمرها، إذ لاحظ أن صوتها استثنائي رغم صغرها. فأحضر لها شريط كاسيت “دخلت مرّة في جنينة” لأسمهان، لن أنسى ذلك الشريط. تخيّل على ماذا أراد أن يدرّبها، على أسمهان! أعطاها الشريط وطلب منها أن تحفظ الأغنية. وبالفعل، كانت تلك أول أغنية تحفظها، واشتركت بها في مهرجان وحازت المركز الأول. ثم أدرج صوتها في فيلمه الوثائقي الأول “1948” عن النكبة، وفي فيلمه الوثائقي الثالث أيضًا، وكتب لها مسرحية غنائية أخرجها وجسّد فيها صالح أحد الأدوار. 

في خضمّ كل ما نشهده من مآسٍ في المنطقة، يتسرّب إلينا شعورٌ بأن دور الفن بات صغيرًا يكاد يضمحل، وأنه عديم الأثر. فهل لا تزال تؤمن بأهمية الفن؟

بالطبع، أنا مؤمنٌ بذلك. لو لم يكن الفن موجودًا، لكان العالم أبشع بكثير. وأحيانًا نشعر أننا عديمو الجدوى. مثلًا خلال تصوير فيلم “اللي باقي منك” الذي تزامن مع فترة الحرب على غزة، كنّا نحسّ أننا كائناتٌ بلا قيمة، فنانون بلا فائدة، بلا أمل، محطّمون. 

كان من المقرّر تصوير الفيلم بأكمله في يافا ورام الله. ذهبتُ إلى فلسطين لأصوّر الفيلم، في الخامس من أكتوبر، ثم وقع السابع من أكتوبر وحدث ما حدث. توقفنا شهرًا، ثم عدنا وأكملنا التصوير، وكنّا نرى الإبادة حرفيًا بين اللقطة واللقطة، بين الـ”action” والـ”cut”.

في تلك الفترة كنّا نحسّ بالعجز الحقيقي. نحن نصنع فنًا، نصنع فيلمًا عن النكبة، لكنّنا يائسون. وبقدر ما كنّا محبطين في تلك الحقبة، كان إيماننا بالإنسانية في حضيضه. أنا شخصيًا لم أعد أؤمن بالإنسان بعد الإبادة. كانت فترةً مظلمة.

لكن حين عُرض الفيلم لأول مرة في جمهورية التشيك، وهي من أكثر الدول الأوروبية صهيونيةً وأقلّها دراية بالقضية الفلسطينية، وقف الجمهور لربع ساعة من التصفيق المتواصل، والدموع في عيونهم. وفي جلسة الأسئلة والأجوبة سأل كثيرون: “ماذا يمكننا أن نفعل لفلسطين؟” نحن لم نكن نعرف. “أثر الفراشة لا يُرى، أثر الفراشة لا يزول.” ما أدراني بالأثر الذي يمكن أن تتركه كلمةٌ في فيلم، أو مقطوعةٌ موسيقية، في روح إنسان؟ ربما يكون أثره شاسعًا. أنا مؤمنٌ بقداسة الفن، بلا شك.

 

بالحديث عن فيلم “اللي باقي منك” تجسّد شخصيةَ شريف في شبابه ليُكمل من بعدك والدك محمد الشخصية ذاتها في كهولتها، إذ يروي الفيلم قصة عائلة فلسطينية عبر ثلاثة أجيال. على الرغم من غياب أي مشاهد تجمعكما، هل حضّرتما للشخصية معًا، أم اكتفيتما بالتشابه الفطري بينكما؟

أشعر أننا في أماكن كثيرة نتشابه في طريقة التعبير والحركة، جميعنا. حتى لو لم يكن شكلنا متقاربًا، فنحن نتشابه في الدم والروح والصوت وطريقة الأداء. رأيتُ مشهدًا واحدًا لأبي يلعب مع حفيده، يغيّر صوته ويتظاهر بأنه الغول، وحين رأيتُ تلك اللقطة قلتُ له: “سأفعل شيئًا مشابهًا.” نحن نتشابه، لم يكن ثمة ما يحتاج إلى تحضير.

كنّا نعيش في المبنى نفسه في قبرص خلال التصوير. نتناول الإفطار معًا ويذهبون إلى التصوير سيرًا في البلدة القديمة وألتحق بهم. لم تكن بيننا مشاهد مشتركة. هذا الفيلم هو أهم ما صنعتُ في حياتي. وصل “عمر” إلى الأوسكار، لكن هذا الفيلم أهم منه بكثير، من كل النواحي. “عمر” فيلمٌ مهم، لكن هذا فيلمٌ للتاريخ.

أنا شخصيًا مرتبطٌ به لأن أبي فيه، ولأنه أول فيلم أصنعه معه. كان يحكي قصتنا من خلال الأفلام من قبل أن أولد حتى، فأن أكبر وأجسّد دوره في شبابه ونحكي معًا هذه القصة، هو أمرٌ بالغ العمق بالنسبة إليّ.

كان جلوسه إلى جانبي أثناء العرض مؤثرًا أيضًا. مدّ يده وضغط على يدي قائلًا: ” بس عشان تكون عارف، إنت بيرفكت”. شهادةٌ لن أنساها، من أجمل اللحظات بيني وبين أبي. وبعد الفيلم كان متأثرًا جدًا. لم يقلها بكلمات يومًا، لكنني كنتُ أعرف كم يحبّنا جميعًا.

يا ليت حبّ أبي كان أقل، يا ليته كان أبًا عاديًا أقل تعبيرًا ودفئًا، ربما كانت الهوّة التي شعرتُ بها بعد رحيله أخف. كان شخصيةً استثنائية. مع أنه في طفولتي كان بعيدًا كثيرًا، مسافرًا دومًا، مشغولًا بالمسرح دومًا، لكنه حين كان حاضرًا، كان حاضرًا بكلّه. 

 

تزامن عرض “اللي باقي منك” مع عرض مسلسل “صحاب الأرض” الذي تناول الحرب على غزة. تركت المشاهد المروّعة على شاشاتنا أثرًا نفسيًا كبيرًا علينا، رغم بعدنا عنها. ديكور المسلسل ضخم وكأنه فعلًا صوّر في غزة، ما الأثر النفسي الذي تركه ذلك فيك؟

كنتُ مُدمَّرًا نفسيًا في فترة التصوير لأسباب عدة. أولها أن أبي توفّي بعد أسبوعين من بدء التصوير. وثانيها الخوف من أنني لستُ على قدر من المسؤولية لتمثيل غزة والإبادة. وذلك لثلاثة أسباب: الأول أن لم يمضَ الكثير من الوقت على الحرب. والثاني أنني تلقّيتُ رسائل وتعليقات تتّهمنا بالاتّجار بالإبادة، وآذتني تلك التعليقات، فمهما بلغ وعيك ونضجك، قد يؤلمك تعليقٌ ما. كيف تحكمون على هذا العمل وتهاجمونني وتهاجمونه قبل أن تشاهدوه أصلًا؟ شاهدوه أولًا. أيُّ اتّجار هذا؟ من يسأل عن المال؟ أنا رفضتُ أعمالًا مع كبار المخرجين، فكيف أكون جئتُ لأتاجر بغزة من أجل قروش؟ آلمني الأمر أكثر لأنهم يعرفون من أيّ عائلة أنا، ومن كان أبي. والسبب الثالث: كيف يستطيع فنانٌ أن ينصف مأساةً بهذا الحجم؟ مهما كان خيالك واسعًا كفنان، هذه مأساة القرون.

وهذا الثقل النفسي النابع من الإحساس بالمسؤولية الفنية، ثم رحيل أبي فوق ذلك كله، جعل الحمل يتضاعف. كنتُ أصل إلى موقع التصوير والديكور وحده كان كافيًا؛ كنتُ أحسّ أنني في غزة فعلًا. بعد التصوير، كان يخرج من رئتي سخامٌ أسود من الدخان، وكانوا يهدمون بيوتًا بالفعل. حاولتُ طوال الوقت أن أضع نفسي في الحالة. وكنتُ أصلًا في حالة حزن عميق. توفّي أبي، ذهبتُ إلى جنازته وعدتُ. فالحالة التي كنتُ فيها من الحزن كانت منسجمةً مع ما تمرّ به الشخصية، فأحسستُ أن الأمر اكتمل من تلقاء نفسه. كنتُ أدخل وأخرج بالحالة نفسها: شعور من الانكسار والإحباط والحزن الذي يعجز عنه الكلام.

كان طاقم العمل هو ما هوّن عليّ تجربة التصوير. كان المخرج بيتر ميمي لطيفًا جدًا. المصريون أناس لطيفون وطيبون، إياد نصّار ومنّة شلبي، وسائر الفريق. هذا ما خفّف الأمر.

على الرغم من الهواجس التي ساورتك والتي أشرتَ إليها، ما الذي دفعك في نهاية المطاف إلى الانضمام لهذا العمل؟

وافقتُ في البداية على الحلقات الثلاث الأولى فحسب، إذ لم يُرسَل إليّ المسلسل كاملًا. وكان أول ما فعلتُه أن أرسلتُه إلى أبي ليساعدني في اتخاذ القرار. وافقتُ بناءً على أكثر من سبب: أولًا، أحسستُ أن العمل، كنصٍّ، فيه قدر عالٍ من الصدق. وثانيًا، تساءلتُ: ما الفائدة إن رفضتُ؟ المسلسل سيُصنع في كل الأحوال، فما الذي يُضيفه رفضي للقضية؟ وليس في الفن قانونٌ حقيقي يحتم عليك الانتظار قبل أن تصنع شيئًا عن حدث تاريخي وقع. فثمة ناسٌ في غزة يصنعون الفن وسط الإبادة، يرسمون اللوحات. الفعل الفني لا يتوقف، ولم يتوقف يومًا. لكن هذا لا يعني أنني لم أشعر بالضغط والمسؤولية.

لا شروط للفن. لا ينبغي أن توجد شروط، طالما أنك لا تروّج لبروباغندا أو لفن يُحرّض على الشر والدمار في العالم. ما عدا ذلك، لا ينبغي وجود أية قيود.

تمثيل شخصية صحفي في غزة مسؤولية كبيرة بالفعل، كيف تلقى الجمهور شخصية مجد؟ 

حاولتُ أن أطوّر شخصية مجد لتكون ثلاثية الأبعاد. هو صحفيٌّ يسعى إلى إيصال صوت شعبه. وكنتُ خائفًا أيضًا، لأنني كنتُ أترقّب في الحلقات إن كان المشاهد يدرك هدف مجد. ربما حتى الحلقة الثامنة لم تكن الصورة واضحة تمامًا لدى بعض المشاهدين، لكن حين انتهت قصة مجد في المسلسل، دخلتُ لأطّلع على ردود الفعل، فوجدتُ أن الناس فعلًا فهموا هذا الشاب وأدركوا ما كان يسعى إليه.

أنا أسعى دائمًا إلى المثالية وأقسو على نفسي. أشعر أنني كان بوسعي تقديم أداء أفضل بكثير مما قدّمتُ، وكثيرًا ما أجد نفسي أُعيد النظر فيما جرى. أقول لنفسي، لو لم يكن أبي قد رحل، لو كانت نفسيتي في حال أفضل.

بنيتُ رأيي في العمل عندما رأيت قيمة العمل فنيًا وإنسانيًا، وبالطبع، كان رأي أهل غزة هو الأهمّ، وهو ما أشعرني بالرضا عن نتيجة المسلسل.

كيف تتعامل مع الفقد؟

بالإيمان أن الحياة تستمر بعد ذلك، وأن من يموت لا يموت حقًا. يقول فيكتور هوغو: “أنت لستَ حيث كنت، ولكنك في كل مكان أكون فيه.” لا أستطيع أن أتخيّل كيف يتعامل إنسانٌ غير مؤمن مع الفقد. لا أعرف ما الذي كان سيحدث لي لو لم أكن شخصًا مؤمنًا. بعد رحيل أبي، هل كانت ستصلني الرسائل التي وصلتني منه؟ هل كنتُ سأحسّ بأي نوع من العزاء والمواساة؟

هل ما زلت تشعر بوجوده؟

أحسّ به كثيرًا. أحسّ به حين أعمل، حين أمثّل. يتّسع المعنى. المكانة التي كان أبي يحتلّها تتّسع، كل شيء يتّسع. يكبر الحب في قلب الإنسان. ربما هي تجربتي أنا وحدي، لكن كل شيء ذي صلةٌ بأبي صار له معنى آخر. حين ذهبتُ إلى الضيعة بعد رحيله، صار للجبل معنى آخر، وللبحر معنى آخر. أوسع… كل شيء صار أوسع.

ما الأشياء التي لا تزال تسعدك؟

كل ما يُذكّرني بطفولتي يُسعدني. حين أجلس لأشاهد أفلام الرسوم المتحركة، حين أرسم. أحبّ الرسم أكثر من التمثيل. والوقت الذي أقضيه مع زوجتي وأصدقائي، وهم قِلّة. الطبيعة. الكتابة، أحبّها كثيرًا، أكاد لا أتوقف عن الكتابة، صرتُ أكتب سيناريوهات. كتبتُ فيلمًا طويلًا وفيلمًا قصيرًا. والقراءة. القراءة من أجمل ما في الدنيا. قرأتُ كل كتب موراكامي، وكنتُ أفكّر في العودة إليه. كل فترة من حياتي أكتشف فيها كاتبًا فأقرأ كل كتبه وأكمل. 

شهد العام الماضي ظهور أفلام لمخرجات فلسطينيات، من بينها “فلسطين 36″ لآن ماري جاسر و”اللي باقي منك” لشيرين دعيبس، وقد وصل كلاهما إلى منصات ومهرجانات عالمية. هل تلمس تحوّلًا في طريقة تقديم القصص الفلسطينية وتلقّيها للدعم المالي؟ أم أن الصعوبات لا تزال قائمة؟

بالتأكيد لا تزال هناك صعوبات، لأن معظم التمويل يأتي من العالم الأوروبي، والعالم الأوروبي ليس مستعدًا بعد أن يمنح الفلسطيني منصةً يحكي فيها قصته كما يريد، إذ يشترطون إدراج الرواية الإسرائيلية. فإن أردتَ صنع فيلم فلسطيني وأدخلتَ الإسرائيلي فيه، يسهل عليك الأمر كثيرًا. لكن الفلسطيني اليوم لا يريد أن يُدخل الإسرائيلي في كل مرة يريد أن يحكي قصته. ما شأنك بها؟ وجودك في حياتنا قسري وكريه، يعني إن أردتُ أن أصور مشهدًا لفلسطيني ذاهب إلى الدكان في الضفة الغربية، فلا بدّ أن يظهر الإسرائيلي، لأن الاحتلال موجود. أما شروطهم في أوروبا فهي أن تُدرجه كوجهة نظر لا كعنصر فحسب؛ إن أدرجته كوجهة نظر، حصلتَ على التمويل، وإن أدرجته كعنصر لمجرد إيصال وجهة نظرك، فلا. فرصك تصبح أضأل بكثير. هذه هي الصعوبة التي نواجهها.

لقد خفّ الأمر نسبيًا، وأتخيّل أن الوعي في أوروبا ازداد بعد الإبادة. لكن إن أردنا الحديث عن الإيجابيات، فثمة تطوّرٌ كبير في اللغة السينمائية، وثمة مخرجاتٌ بعدد المخرجين تمامًا.

نهايةً، من هي الشخصيات الأيقونية بالنسبة لك؟

أبي. كنتُ أقولها له دائمًا: “أنت أيقونة.” محمود درويش أسطورة، من أعظم الفنانين الذين صنعهم التاريخ، وليس في فلسطين وحدها، فهو أوسع من ذلك بكثير، لا أعرف كيف أصفه. تجربته كانت استثنائية، استطاع أن يصل إلى العالم وأن يفهم الناس بطريقة واقعية. ناجي العلي أيقونة، وغسان كنفاني.